الجمعة، 15 مايو 2009

احتلال العراق للكويت


تكاد الايام السوداء في تاريخ العرب الحديث لا تعد ولا تحصى، فقد شهد القرن الماضي سلسلة من الهزائم والكوارث والنكبات والنكسات التي توالت منذ بسط الغرب نفوذه الاستعماري والاستغلالي على هذه المنطقة من العالم، ولم تكن سطوة العامل الخارجي ورغبة الرأسمالية في فرض الهيمنة على أمتنا وبقية الأمم العامل الوحيد الذي أفضى لحالة الانكسار المستمرة، فقد كانت عوامل الضعف والجهل والفرقة والتمزق العربي والانفعالات عبر المزايدات والرضوخ عبر المناقصات كلها عوامل هبوط وترد داخلي سهل الهزائم او ساهم فيها بشكل مباشر وبشكل غير مباشر.

ويمكن القول ان 15آيار من العام 1948وهو ذكرى اغتصاب فلسطين كان أسوأ أيام العرب حيث تكرست نكبة فلسطين وضياعها فكانت الى حد ما "أندلس" اخرى ولكن في قلب الوطن العربي وليس في قارة أوروبا كما هو حال اسبانيا كما يمكن القول ان يوم 2آب من العام 1990كان ايضاً من أسوأ أيام العرب فقد كان هذا اليوم بداية ضياع العراق واحتلاله حيث اعطى النظام العراقي عبر احتلاله لدولة الكويت إشارة البدء للولايات المتحدة الأمريكية للتدخل السافر في المنطقة ووفر لها مسوغات التصعيد ضد العراق وصولاً الى غزو العراق في 20آذار من العام الماضي بعد فرض حصار وضرب طوق من العزلة حول العراق عبر سياسات العقوبات التي انهكت العراق وجعلته لقمة سائغة عندما قررت الولايات المتحدة الأمريكية اقتناص الفريسة فكان العراق مائدة التاريخ الكبرى بدون ان تدفع القوة المعتدية أي ثمن يذكر.

وعندما احتلت العراق الكويت يوم 2آب من العام 1990قلنا ان هذا الاحتلال سيكون احتلالاً عابراً للكويت ودون التقليل من الكارثة المفاجئة والرهيبة التي ألمت بالكويت وعصفت بالنظام العربي ومزقت الوجدان القومي وأضعفت الامة وافسحت المجال للتدخل الخارجي وخلقت تداعيات انهيار اضافية في المنطقة الا ان ذلك لم يكن كل شيء لأن ما هو أخطر من الاحتلال العراقي العابر للكويت هو هذا الاحتلال الأمريكي الدائم للعراق.

وقد كنا نقول ان يوم 2آب من العام 1990هو يوم له ما بعده وان آثاره المأساوية لن تقتصر على احتلال الكويت وانهيار النظام العربي وان المغامرة المجنونة التي قادت الى كارثة احتلال الكويت هي مغامرة كانت تنتظرها الولايات المتحدة الأمريكية وتتشوق لها لأنها ستوفر لها افتعال التداعيات والظروف التي تحقق لهفتها وحلمها باحتلال العراق وتحويله الى نقطة ارتكاز استراتيجية مثالية للسيطرة على المنطقة.

ويعتقد كثيرون ان النظام العراقي اتبع سياسات مبرمجة ضمن سيناريو أمريكي محكم بدأ بمفاجأة انقلاب العام 1968على يد عبدالرازق النايف وابراهيم الداود كواجهة للانقلاب اللذين مهدا لعودة البعثيين الى الحكم، لكن الحزب كان واجهة ايضاً لشاب مغمور هو صدام حسين الذي أصبح الحاكم الآمر الناهي بعد أقل من اسبوعين من انقلاب 17تموز وذلك عبر انقلاب 30تموز في نفس العام، ولابد ان هنالك خصائص مشتركة بين مفاجأة وصول صدام للسلطة في العام 1978وتخليه عنها في 9نيسان من ربيع العام الماضي حيث تم تسليم بغداد للأمريكيين بدون مقاومة.

ولا نستطيع ان ندعي اننا على اطلاع على السيناريو المحدد ولكن الغموض ومجموعة الألغاز التي أحاطت بالعراق على مدى 35عاماً ومنها سر البداية وسر النهاية تدعو للاستنتاج بوجود مخطط مرسوم ولو تجاوزنا عن ذلك فإننا لا نستطيع تجاهل الوقائع المعلنة والواضحة والمثبتة فالحرب التي شنها النظام العراقي على ايران في العام 1980كانت واحدة من أبرز الحقائق التي استجدت في المنطقة والتي عكست دوراً مهماً وبارزاً لصدام حسين في التحالف مع الولايات المتحدة الأمريكية وذلك عبر ضرب الثورة الايرانية التي لم تكن بريئة تماماً من تبعات هذه الحرب.

وكما هو معروف فقد كان هنالك اصرار متبادل بين النظام العراقي والنظام الايراني على الاستمرار في هذه الحرب مع ادراك الجانبين ان هذه الحرب لا تخدم إلا مصالح الولايات المتحدة الأمريكية التي دعمت ايران بالسلاح والمعلومات في مرحلة ووفرت لها عبر الأقمار الصناعية خطة تسهل احتلالها للفاو، وفي نفس الوقت دعمت العراق ووفرت له فيما بعد خريطة دقيقة اطلعته على المنافذ التي أدت الى استعادة الفاو على يد القوات العراقية، وهكذا كانت الحرب العراقية التي دامت 8سنوات وانهكت ايران والعراق وأضعفت المنطقة بداية مبكرة تفصح عن الملامح الاولية لمخطط الأطماع الأمريكية لكن احتلال العراق للكويت في العام 1990وضع هذا المخطط قيد التنفيذ المباشر كما ندرك جميعاً اليوم.

ولم يكن خافياً الترابط بين حرب العراق ضد ايران وحرب العراق ضد الكويت، فقد اعتقد صدام حسين ان هذه الحرب المكلفة التي خاضها ضد ايران ولمدة 8أعوام لا يمكن إلا ان تكون موضع تقدير خاص وكبير من قبل الولايات المتحدة الأمريكية وفي نفس الوقت عبرت الولايات المتحدة الأمريكية عن رضا عميق تجاه نتيجة هذه الحرب وعن مباركة غير مباشرة للدور الذي قام به النظام العراقي لتحجيم ايران دون ان يعني ذلك اعترافاً أمريكياً ببروز العراق كقوة وحيدة في منطقة الخليج فهذا الدور ظل مرفوضاً حتى من قبل شاه ايران أقرب أصدقاء أمريكا الذي حاول أن يجعل من ايران قوة نافذة ومسيطرة في المنطقة قبل ان تطيح به الثورة الاسلامية الايرانية في العام

1979.وكما هو واضح فإن الولايات المتحدة الأمريكية اكتفت بقطف ثمار هذه الحرب وذلك عبر ضرب العراق بايران وتدمير قوة البلدين واستنزاف قدرتهما النفطية والمالية التي تم هدرها في هذه الحرب بالاضافة الى مئات الآلاف من الضحايا وخلق حالة عداء كامنة حتى بعد انتهاء هذه الحرب.

أما الرئيس العراقي صدام حسين فقد اعتقد بأنه سيفوز بمكافأة مجزية بعد دوره في تدمير ايران والعراق معاً، لكن المكافأة الأمريكية كانت محدودة واكتفت أمريكا بتقديم معونة مالية للعراق مخصصة لشراء مواد غذائية ولم تزد هذه المنحة عن 4مليارات دولار قيل انها قابلة للزيادة وقد استغل العراق هذه المنحة لشراء بعض اشكال التكنولوجيا العسكرية عبر بنوك ووسطاء قدموا فواتير واعتمادات مستندية بمواد غذائية وقد تساهلت أمريكا في هذا الامر بل ربما كانت شجعته سراً.

وكما هو معروف فقد تشبثت ايران بالاستمرار في الحرب ورفضت وقفها بعد ان استعادت توازنها العسكري لكنها في النهاية وبعد ثماني سنوات مضنية وقاسية وبعد اقتناع بأن هذه الحرب حرب عبثية حيث لا فرصة لأي من الطرفين في إلحاق هزيمة قطعية ونهائية بالطرف الآخر او احتلاله او اسقاط نظامه السياسي وقد دفعت هذه الاعتبارات واعتبارات اخرى ايران للموافقة على وقف هذه الحرب واعتبر الخميني ان موافقته تشبه تجرع كأس السم بينما اعتبر صدام حسين توقف الحرب انتصاراً له بالرغم من انه لم يحقق اية نتائج وانكفأ بقواته داخل حدود العراق.

وكما أشرنا فإن تطابق الموقف العراقي والأمريكي لضرب ايران لا يعني ان أمريكا معنية بمساعدة صدام بتحقيق طموحاته في السيطرة والتفوق لأن أمريكا معنية فقط بتحقيق مصالحها عبر انهاك وإضعاف الجميع، وقد توهم صدام حسين ان الولايات المتحدة الأمريكية سوف تغض الطرف عن احتلاله للكويت كمقدمة لتوسع يتيح له السيطرة على النفط في منطقة الخليج، وقد تضخم هذا الوهم عندما لقي صدام حسين مباركة وتأييداً خليجيين للحرب ضد ايران وخاصة من قبل الكويت التي وقفت معه بكل امكانياتها في تلك الحرب، ولم يدرك صدام ان دول الخليج اخذت هذا الموقف معه لأنها عانت طويلاً من أطماع النظام الإيراني أيام الشاه ولأنها كانت ترفض توجهات الخميني بتصدير الثورة.

وفي ظل كل هذه التداخلات في المواقف الدولية العربية الدولية اعتقد صدام حسين ان الفرصة سانحة لاحتلال الكويت واعتقد بشكل خاص ان الولايات المتحدة الأمريكية لن تنقلب عليه 180درجة وانها في اسوأ الاحوال سوف ترفض هذا الاحتلال سياسياً، وان القضية ستحل عبر المفاوضات وعبر المراوغة والتسويف سيستطيع ان يبتلع هذه اللقمة مقابل منح أمريكا كل ما تريد من امتيازات في المنطقة.

وقد كانت الولايات المتحدة الأمريكية على اطلاع ومعرفة تامة بنوايا صدام حسين ولم يكن التصعيد ضد الكويت من قبل العراق مفاجأة لأمريكا التي بادرت إلى اطلاق اشارات تشجيع صدام حسين على المضي في تفكيره باحتلال الكويت، وقد كان محضر اللقاء مع السفيرة الأمريكية غلاسيي في بغداد عنواناً واضحاً للموقف الأمريكي الذي يوحي بأن أمريكا لن تتدخل عسكرياً في اية صراعات او خلافات في المنطقة وانها تريد من شعوب ودول المنطقة ان تحل مشاكلها بنفسها.

وإذا كانت التفسيرات قد اختلفت في تقييم حقيقة النوايا الأمريكية وهل هي نوايا مبيتة تمثلت في نصب فخ للنظام العراقي للسقوط في هوة احتلال الكويت او ان أمريكا انتظرت حتى يقع صدام في هذا الفخ من تلقاء نفسه فإن النتيجة واحدة بمعزل عن النوايا.

ويظل الأهم هو ان الولايات المتحدة الأمريكية كانت تخطط لاحتلال العراق عبر سيناريو يبدأ باحتلال العراق للكويت وهو ما أكده قائد القوات الأمريكية في العراق الجنرال "شوارسكوف" الذي قال: ان الجنرال كولن باول رئيس هيئة الاركان المشتركة في عهد الرئيس بوش الاب قد طلب منه وضع خطة في العام 1988لاخراج القوات العراقية من الكويت وذلك قبل عامين من 2آب 1990، هذا التاريخ الذي شكل بداية المخطط الاكبر وهو احتلال العراق حيث سقط النظام العراقي بقيادة صدام حسين في الامتحان الصعب يوم 2آب عام 1990، هذا اليوم الاسود الذي كان يوم سقوط بغداد عملياً ولو ان سقوط بغداد واحتلال العراق من قبل أمريكا تأخر حتى 9نيسان من العام 2003ولأن 9نيسان 2003كان وليد 2آب 1990فإن الذكرى السوداء لاحتلال الكويت كانت الذكرى السوداء لاحتلال العراق.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق